محمد حسين هيكل

98

حياة محمد ( ص )

فتور الوحي ونزول سورة الضحى انتظر هداية الوحي إيّاه في أمره وإنارة سبيله ، فإذا الوحي يفتر ! وإذا جبريل لا ينزل عليه ، وإذا ما حوله سكينة صامتة جعلته في وحدة من الناس ومن نفسه ، وردّته إلى مثل مخاوفه قبل نزول الوحي . وقد روي أن خديجة قالت له : ما أرى ربك إلا قد قلاك . وتولاه الخوف والوجل ، فهما يبتعثانه من جديد يطوي الجبال وينقطع في حراء يرتفع بكل نفسه ابتغاء وجه ربّه يسأله : لم قلاه بعد أن اصطفاه ؟ ولم تكن خديجة أقلّ منه إشفاقا ووجلا . ويتمنى الموت صادقا لولا أنه كان يشعر بما أمر به فيرجع إلى نفسه ثم إلى ربه ولقد قيل : إنه فكر في أن يلقي بنفسه من أعلى حراء أو أبي قبيس . وأي خير في الحياة وهذا أكبر أمله فيها يذوي وينقضي ! وإنه لكذلك تساوره هذه المخاوف إذ جاءه الوحي بعد طول فتوره ، ونزل عليه بقوله تعالى : ( وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى . ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى . وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى . وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى . أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى . وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى . وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى . فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ . وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ . وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) « 1 » . الدعوة إلى الحق وحده يا لجلال اللّه ! أيّة سكينة للنفس ، وغبطة للقلب ، وبهجة للفؤاد ! انجابت مخاوف محمد وزال كل روعه ، وارتسمت على ثغره ابتسامة الرضا ، وافترّت شفتاه عن معاني الحمد وآي التقديس والعبادة ، لم يبق لما كانت تخشى خديجة من أن اللّه قلاه ولم يبق لفزعه وهلعه موضع ، بل تولّاه اللّه وتولاها برحمته ، وأزال كل خشية أو ريبة من نفسه . لا انتحار إذا ، ولكن حياة ودعوة إلى اللّه ، وإلى اللّه وحده . إلى اللّه العليّ الكبير تعنو له الجباه ويسجد له من في السماوات والأرض جميعا . هو وحده الحقّ وكل ما يدعون من دونه الباطل . إليه وحده يتوجّه القلب ، وبه وحده يجب أن تتعلق النفس ، وفيه وحده يجب أن تفنى الرّوح ، وللآخرة خير لك من الأولى . الآخرة التي تحيط فيها النفس بكل الوجود في كمال وحدته ، والتي يتناهى إليها المكان والزمان وتنسى فيها اعتبارات هذه الحياة الوضيعة الأولى . الآخرة التي يصير فيها الضحى ولألاء شمسه الباهرة ، والليل ودجاه الساجي ، والسماوات والكواكب والأرض والجبال كلّا واحدا تتصل به الروح الراضية المرضية . هذه هي الحياة التي يجب أن تكون إليها الغاية من سفر هذه الحياة . هذا هو الحق وكل ما دونه صور منه لا تغني عنه . هذا هو الحق الذي أضاء بنوره روح محمد والذي ابتعثه من جديد ليفكر في الدعوة إلى ربّه . وللدعوة إلى ربه يجب أن يطهر ثيابه ، وأن يهجر المنكر ، وأن يصبر على ما يلاقي من الأذى في سبيل الدعوة إلى الحق ، وأن ينير للناس سبيل العلم بما لم يكونوا يعلمون ، وألّا ينهر من أجل ذلك سائلا ، ولا يقهر يتيما . حسبه اختيار اللّه إياه لكلمته فليتحدث عنها . وحسبه أن اللّه وجده يتيما فاواه في كفالة جدّه عبد المطلب وعمه أبي طالب ؛ وأنه وجده فقيرا فأغناه بأمانته ويسّر له خديجة شريكة صباه ، شريكة تحنثه ، شريكة بعثه ، شريكة المحبة ، الناصحة الرؤف ؛ وأنه وجده ضالا فهداه برسالته . حسبه هذا . وليدع إلى الحق جاهدا ما استطاع . ذلك أمر اللّه إلى نبيه الذي اصطفاه ، وما ودّعه وما قلاه . الصلاة وعلّم اللّه نبيه الصلاة فصلّى وصلّت خديجة معه . وكان يقيم معهما غير بناتهما عليّ بن أبي طالب الذي كان صبيّا لمّا يبلغ الحلم . ذلك أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة ، وكان أبو طالب كثير العيال . فقال محمد لعمه

--> ( 1 ) سورة الضحى .